من هنا ...نبدأ

الدكتر

:: عضو متفاعل ::
تمنى أن يكون نجاراً ، فتحققت أمنياته .
والآخر أراد أن يصبح حداداً ، فكان له ما تمنى ، وأما الثالث فأراد أن يكون خبازاً ؛ إلا أن أمنياته سلكت طريق الرياح ، فلم يكن له ما تمنى ..
النجار يحب مهنته ، وكذلك الحداد يعشق حرفته ، بنى النجار دكاناً سماه بدكان الأماني ، فأصبح يصنع الباب والنافذة ، والكرسي والطاولة .. وأما الحداد فقد بنى هو الآخر دكاناً سماه الإرادة ، فقام وصنع السكين والسيف ، والدرع والرمح ، فلكل شخص ما تمنى ، أصبحا يرون مهنتهما في أيديهما حيث يأخذانها إلى السماء ، ويتوكلون على الرزاق التواب ، ثم يمسحان بأيديهما تراب الأيام ، فكان ما يرونه حلماً تجسدوا وأصبح حقيقة يلمسونه .
فصاحب الأماني جد واجتهد ، وقاوم واتخذ من الأسباب حياة له ، يزرع الصدق في منشاره ، ويصنع حلمه في مسماره ، رأى الحياة تبتسم في كل ما يصنع ، ورأى الأيام تتفاءل في ابداعاته ؛ حتى أرسل الله عليه حشرة تلتهم خشبه ، وتعكر عليه ما جمع من حياته وأمنياته ، فتضجر وتأفف ، وحاول وفشل ، ثم مضى غير مكترث نحو نقطة الخباز .
وأما صاحب الإرادة ، فأراد ما تمنى ، وألان ما يصدى ، يطرق بقلبه الحديد ، وتطفئ ابتسامته نيران كيره ، رأى ذكرياته داخل الحياة ، وقرأ في السنين ديوانه ، كان كذلك حتى زاد الله عليه البلاء بصدأ يلتهم حديد أولئك الإباء وانهد ما تبقى من سنينه ، فقام وحطم جدار إرادته ، ثم مضى غير مكترث نحو نقطة الخباز .
نقطة الخباز !؟ هي النقطة التي اختاروا حياتهم منها ، حيث أفلح اثنين ، ولم يفلح الثالث .. نقطة الخباز هي نقطة تعثر منها ، حيث كان يتوسل إلى الله أن يفوز بحلمه ، إلا أن قضاء الله وقدره أراد له شيئاً آخر .. فالنجار والحداد تقابلا عند منزل من كان يتمنى أن يكون خبازاً ، فرأيا بيتاً مكتوب على بابه بيت الشكر ..
- أيها الخباز ! يا من خبزت أمنياتك فاحترقت ، ويا من عجنت أحلامك فماتت ، ما رأيك فيمن تمنى الحياة ، حيث يصنع باباً يدخل منه السعداء ، ونافذة تخرج من حياته الشقاء ، ثم نشره الدهر فقطع عنه ما تمنى . وما رأيك فيمن أراد من الحياة السعادة حيث يصنع مسماراً ، به يصنع ما يكن فؤاده ، ثم طرقه الدهر بمطرقة الفاقة ، فهو بها أقوى من الحاجة؟
- عجباً ! أمنكما تخرج هذه الآهات ، كان منكما بيت الأماني ، ومنكما بيت الإرادة ، ثم عجزتم عن صبر لحظة من البلاء ، بعدما عشتم من الحياة دهراً .. أين منكما الصبر ، وأين منكما الأمل أين منكما الشكر لواهب الأماني والإرادة .
- ألذلك أسميت بيتك بالشكر ؟
- نعم . فالعبرة ليست بالأماني المحققة ، لكن العبرة أنك طلبت كل ما تريد من العلي القدير ، واهب الأماني والإرادات ..
 
أعلى